محمد بن جرير الطبري

26

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

على يدي من اقتادها . وأنشد أيضا : وإن امرأ أهدي إليك ودونه * من الأرض موماة وبيداء فيهق لمحقوقة أن تستجيبي لصوته * وأن تعلمي أن المعان موفق وحكي عن بعض العرب سماعا ينشد : أرأيت إذ أعطيتك الود كله * ولم يك عندي إن أبيت إباء أمسلمتي للموت أنت فميت * وهل للنفوس المسلمات بقاء ولم يقل : فميت أنا ، وقال الكسائي : سمعت العرب تقول : يدك باسطها ، يريدون أنت ، وهو كثير في الكلام ، قال : فعلى هذا يجوز خفض " غير " . والصواب من القول في ذلك عندنا ، القول بإجازة جر " غير " في " غير ناظرين " في الكلام ، لا في القراءة ، لما ذكرنا من الأبيات التي حكيناها ؛ فأما في القراءة فغير جائز في " غير " غير النصب ، لإجماع الحجة من القراء على نصبها . وقوله : وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا بيوت النبي يقول : ولكن إذا دعاكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدخلوا البيت الذي أذن لكم بدخوله فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا يقول : فإذا أكلتم الطعام الذي دعيتم لأكله فانتشروا ، يعني فتفرقوا واخرجوا من منزله . وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ فقوله : وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ في موضع خفض عطفا به على ناظرين ، كما يقال في الكلام : أنت غير ساكت ولا ناطق . وقد يحتمل أن يقال : " مستأنسين " في موضع نصب عطفا على معنى ناظرين ، لأن معناه : إلا أن يؤذن لكم إلى طعام لا ناظرين إناه ، فيكون قوله : وَلا مُسْتَأْنِسِينَ نصبا حينئذ ، والعرب تفعل ذلك إذا حالت بين الأول والثاني ، فترد أحيانا على لفظ الأول ، وأحيانا على معناه ، وقد ذكر الفراء أن أبا القمقام أنشده : أحبك لست الدهر رائى رامد * ولا عاقل إلا وأنت حبيب ولا مصعد في المصعدين لمنعج * ولا هابطا ما عشت هضب شطيب فرد " مصعد " على أن " رائي " فيه باء خافضة ، إذ حال بينه وبين المصعد مما حال بينهما من الكلام . ومعنى قوله : وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ولا متحدثين بعد فراغكم من أكل الطعام إيناسا من بعضكم لبعض به ، كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ بعد أن تأكلوا . واختلف أهل العلم في السبب الذي نزلت هذه الآية فيه ، فقال بعضهم : نزلت بسبب قوم طعموا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في وليمة زينب بنت جحش ، ثم جلسوا يتحدثون في منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حاجة ، فمنعه الحياء من أمرهم بالخروج من منزله رسول الله صلى الله عليه وسلم . ذكر من قال ذلك : حدثني عمران بن موسى القزاز ، قال : ثنا عبد الوارث ، قال : ثنا عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس بن مالك ، قال : بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش ، فبعثت داعيا إلى الطعام ، فدعوت ، فيجيء القوم يأكلون ويخرجون ثم يجيء القوم يأكلون ويخرجون ، فقلت : يا نبي الله قد دعوت حتى ما أجد أحدا أدعوه ، قال : " ارفعوا طعامكم " ، وإن زينب لجالسة في ناحية البيت ، وكانت قد أعطيت جمالا ، وبقي ثلاثة نفر يتحدثون في البيت ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم منطلقا نحو حجرة عائشة ، فقال : " السلام عليكم أهل